التبعية

الحمد لله رب العالمين , ولي الحمد وأهله , لا إله إلا هو وحده لا شريك له , له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير , أمر بالعدل في كتابه المبين الذي (فيه نبأ ما قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم ، هو الفصل ليس بالهزل من يرده من جبار قصمه الله ، ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله هو حبل الله المتين والذكر الحكيم ، وهو الصراط المستقيم الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن رد ، ولا تنقضي عجائبه ، وهو الذي لم تنته الجن حين سمعته أن قالوا : إنا سمعنا قرآنا عجبا ، من قال به صدق ومن عمل به أجر ومن حكم به عدل ومن دعي إليه هدي إلى صراط مستقيم ومن اعتصم به هدي إلى صراط مستقيم) , أمر فيه بإقامة الدين القيم حين قال – عز من قائل - : (( فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (30) مُنِيبِينَ إِلَيْهِ وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (31) مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ (32).


وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد الصادق الأمين , المبعوث بالهدى رحمة للعالمين الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك , صلى الله عليه وآله الطيبين الطاهرين .



ما أن تهب ريح الفتنة حتى تلم كل فرقة شعثها , وتلملم شملها , وتستذكر ماضيها , وتنقض جروحها , وتتلوا عقيدتها على أتباعها , وتنذرهم بخطر أختها القادم . فتزج بهم في مستنقع دموي يطحن بعضهم بعضا . والكل يهتف لا إله إلا الله محمد رسول الله !! والله أكبر! والنصر للإسلام ,! والموت للأعداء ! , والكل قد حصل على صك بالجنة من ربه , أو شهادة بالشهادة في سبيل ربه .أما عند الله , إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار . فإنا لله وإنا إليه راجعون .

كلها قد اتفقت على أن تختلف مع الأخرى وإن خالفت كتاب الله وسنة نبيه وخلفائه , فإن خرج من فرقة ما رجل ينكر على فرقته ما هي عليه من الضلال وأدته في مهده ’ فإن فاتها ذلك كتمت صوته , فإن لم تستطع نبذته وقاطعته حتى يشذ , ومن شذ شذ في النار !. وما أن ينفرد وحده حتى تتبناه الأخرى ليكون شاهدا لها عند أتباعها على أهله . تُشيد به وترفع صوته لتُدين أختها أمام أتباعها .

ولكي نرى الحقيقة الجلية بوضوح لا بد من أن نتجرد من التبعية لأي طائفة لا لأن نشذ , ولكن نتجرد منها لكتاب الله وسنة نبيه ( المحجة البيضاء التي لا يزيغ عنها إلا هالك ) نلتزم بها أولا , ثم ندعو الجميع إليها , ونحتكم مع من رضي إليها .

لَقَدْ أَنْزَلْنَا آَيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (46) وَيَقُولُونَ آَمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ (47) وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ (48) وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقُّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ (49) أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (50) إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (51) وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ (52) سورة النور

لماذا نتجرد ؟ لأن ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تشرذم وتناحر يؤكد أن لدينا خلل , وخلل عظيم , فما نزل بلاء إلا بمعصية وما رفع إلا بتوبة , وأي بلاء أكثر مما تعيشه الأمة من ذل وتبعية لأعدائها وتناحر فيما بينها ( قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآَيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ (65) . وأعداؤنا ينتظرون ساعة الصفر لينقضوا علينا , فإن مما أعطاه الله لمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم – , أن لا يسلط على أمته عدوا من غيرهم حتى يكون بعضهم يستبيح بيضة بعض . وهذا ما ينتظره أعداؤنا فلن يجرؤا علينا حتى يغروا بيننا العداوة ثم نستبيح بيضت بعضنا عندها سنكون هدفا سهلا جدا . وما حصل مع العراق والكويت لهو اكبر دليل على ذلك .

ونتجرد لنرى الحقيقة فإن مما لا شك فيه -ونحن قد وصلنا إلى ما نحن عليه اليوم – أننا نحمل ظلما , وهو مانع من رؤية الحقيقة ولذلك جاء تقديمه في الحديث على الاستهداء ’ ( يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا , يا عبادي كلكم ضال إلا من هديته فاستهدوني أهدكم , .... الحديث ) فالظلم عائق من رؤية الحق ومشوش دون الهدى والنور . ولا خيار أمامك إلا أن تكون تابعا . فإما أن تكون تابعا لهدى الله ’ أو أن تكون تابعا للشيطان , أو تابعا لهواك ونزعاتك الشهوانية التي غالبا ما يستعين بها الشيطان , أو تابعا لطائفة لن تغني عنك من الله شيئا يوم القيامة بل يكفر بعضها ببعض ويلعن بعضها بعضا . (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَابُ (166) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّءُوا مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167) البقرة

(وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا رَبَّنَا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانَا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ نَجْعَلْهُمَا تَحْتَ أَقْدَامِنَا لِيَكُونَا مِنَ الْأَسْفَلِينَ (29) فصلت

قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآَتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) الأعراف

نتجرد لنتحقق من صحة تبعيتنا ؛لأنها ستكون حسرة علينا إن كانت تبعية ضالة .

حتى وإن كنا نتبع علماء ,فلا عذر لنا وقد قال الله – عز وجل - : وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ (30) اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (31) فطاعتنا لهم وقد رأينا أنهم على معصية الله وخلاف كتابه وسنة نبيه تعد عبادة لهم .

===1===

وقبل أن نبدأ في البحث عن الحقيقة أود أن نتفق على قضيتين هامتين : أما الأولى فلن يخالفنا فيها أحد من بني آدم كافة , بل حتى من أسلم من الجن سيوفقنا عليها , وهي أن الشيطان عدو لنا جميعا ويجب أن نتخذه عدوا , وهذه مسلمة لا تحتاج منا إلى طويل جدل , ولكن استشعار هذه العداوة على الدوام باختلاف الزمان والمكان والحال هو ما قد يطول بنا المقام لو تتبعناه هنا , ومع أنه يجب أن لا نولي هذا الجانب أقل مما أولاه كتاب الله – جل وعلا - , وسنة نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم – إلا أنني سوف أقتطف ما تيسر على عجالة في هذا المقام ؛ خشية الإطالة .

فتلك العداوة أزلية , وقائمة إلى أن يوارى أحدنا في التراب , يوكل به قرينه فلا يفارقه حتى تفارقه روحه ويتقرر مصيره , يمكنه أن يرانا من حيث لا نراه , يوسوس لنا دون أن نسمع صوته , يشاركنا في المأكل والمشرب والمال والنساء والأولاد عندما نغفل عنه , أو لا نحسن التعامل معه . يترقى معك منذ الطفولة ومهما بلغت من العلم سوف تجده أمامك على طريق الهدى يتربص بك لإغوائك ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ) .

قال – تعالى - : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (5) إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ (6) )) فاطر .

وقال – عز من قائل - : ((أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آَدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ (60) وَأَنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ (61) وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ (62) )) يس.

يبذل كل ما في وسعه , وغاية جهده في تضليلك والتشويش على بصيرتك دون كلل أو ملل (قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) الأعراف

وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا (64) الإسراء

هذا غير المختصين في أعمال معينة . وعندما أذن الله له بهذا , وأخبرنا بذلك ومكننا من السلاح الذي نواجهه به ؛ فقد قامت لله الحجة البالغة علينا , بل كشف لنا استراتيجية هذا العدو في إغوائنا منذ نشأة هذه العداوة إلى يومنا هذا . فمثلا لو تأملت قوله - تعالى - : (يَا بَنِي آَدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآَتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آَيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَا بَنِي آَدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآَتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) الأعراف

فلو تأملت الآيات جيدا ونظرت في حال الأمة اليوم وما يغلب عليها من التعري وتفشي الفحش ما تجاوز المتعة إلى المجاهرة والإثارة والتفنن في العرض والإغراء إلى الاستثمار في الدعارة, ستجد أنه لا زال يتبع تلك الإستراتيجية الأولى في الإغواء . وهلم فيما بقي من جوانب النزعات والغرائز في النفس البشرية . فتتبعها في كتاب الله وسنة نبيه وكتب الصالحين لتبقى على حذر .

أما القضية الثانية التي يجب أن نتفق عليها فقد كانت محل خلاف بين العلماء , مع أن النصوص من الكتاب والسنة واضحة وضوح الشمس في كبد السماء , وهذا ما يهمنا وما سنعرض قول أي بشر عليه لنعرف مدى صحته . وهي : أنه لا عصمة لأحد من البشر على الإطلاق بما فيهم الأنبياء .

والأدلة كثيرة في كتاب الله وسنة نبيه لتؤكد ذلك من آدم وإلى حديث الشفاعة يوم القيامة .

1. (كل ابن آدم خطاء وخير الخطائين التوابون ) , ( عصى آدم فعصت ذريته , ونسي فنسيت ذريته , وجحد فجحدت ذريته ) فمن ادعى عصمة الأنبياء فقد زعم أنهم ليسوا من بني آدم .وإنما عصمهم في أداء الرسالة فقط -مع تحفظي على مفهوم العصمة هذه وحدودها-. وما دون ذلك فهم بشر يجري عليهم من الخطأ والنسيان ما يجري على بني آدم .

2. (لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ وَيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (2) فالله – سبحانه وتعالى – في غنى عن أن ينسب لمحمد – صلى الله عليه وآله وسلم – ذنبا وقد عصمه من الذنب وأن يغفر له ما لم يفعل .

3. عَفَا اللَّهُ عَنْكَ لِمَ أَذِنْتَ لَهُمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَتَعْلَمَ الْكَاذِبِينَ (43) . بماذا سنتأول هذه العفو ؟.

4. ما معنى ( نعم العبد إنه أواب ) في معرض الثناء على الأنبياء . فمما يؤوب ؟! وما معنى : فغفرنا له ذلك ؟ ومما استغفر سليمان – عليه السلام – فغفر الله له ورد عليه ملكه .

5. حديث الشفاعة وما يعتذر به الأنبياء الذنوب ....... الخ .

فإن تقرر هذا فمن باب أولى غيرهم , فلا عصمة لبشر بعدهم لا عالم ولا صالح ولا ولي .

وإن تقرر أن الصحابة – رض الله عنهم وأرضاهم – كانوا يراجعون الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – في بعض الأمور ويعترضون على بعض قراراته ويعرضون له غيرها فيأخذ بها ؛ فغيره من باب أولى . وإن تقرر هذا فلن يأتي أحد فيدعي العصمة ويشرع لنا من الدين ما لم يأذن به الله .



===2===

إن أحدنا في إحدى هذه الطوائف كمن هو مستلق عالق في شبكة عنكبوت يحيطه الظلام الدامس وعلى أطراف الشبكة الطائفية عنكبوت سوداء تنتظر أدنى اهتزاز لتهرع إليه فتحقنك بالمورفين ثم تلفه وتطويه بخيوطها وتستبقيه إلى حين , ولو حاول التخلص بعنف سوف تطبق عليه الشبكة وتزداد تعقيدا . ومع هذا فثق بأن خيوطها ضعيفة جدا’ وعامل السرعة سيلعب دورا كبيرا في الخلاص , فتوكل على الله ولا تتردد .

سوف تشعر بالقلق فلا تخف لأنه لن يطول انتظارك فتلك خطوة خطوتها إلى الله وسوف يأتيك بأسرع مما أتيته . فأنت لم تتجرد من تلك الشبكة لتقع في أخرى وإنما تجردت من الجماعة إلى رب الجماعة . (ومن تقرب مني شبراً تقربت منه ذراعاً ومن تقرب مني ذراعاً تقربت منه باعاً ومن أتاني يمشي أتيته هرولة) فإذا أشرقت نفسك بنور محبته فاشرح صدرك لها وافتح قلبك على مصراعيه فهو يأبى إلا أن يستقر في سويداء القلب دون منازع , فهو أغنى الشركاء عن الشرك ,حتى القرابة يأبى إلا أن يكون أقرب إليك منهم ,( لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (3) الممتحنة , وهذا بالفعل امتحان , (لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه من والده وولده , والناس أجمعين ) ,( لا يؤمن أحدكم حتى يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما ) لا تتردد زد تقربا منه لترى الحقائق جلية , حتى إذا ما تربع على عرش المحبة , وأحكم قبضته على مركز القيادة والسيطرة في قلبك , أمرك أن تجعل هواك خلفه , (لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به ). تقرب إليه بلا تردد لأنك سوف ترى بمجهر لا يرى به كل الناس ’ وتسمع بأذن لا يسمع بها كل الناس ,تقرب إليه بما يريد وكما يريد لترى من آياته المزيد ( من عادى لي وليا فقد آذنته بالحرب وما تقرب إلى عبدي بشئ أحب إلي مما افترضته عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به وبصره الذي يبصر به ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه ) .

فإذا بلغت ذلك فكن على حذر لأنك سوف ترى من آياته ويكشف لك من العلامات ما تستضيء به في الظلمات , وتمشي به على سراط مستقيم فوق الأهوال في ثبات , وتقتحم به العقبات ؛ وإن كان الطريق ضيقا ( أدق من الشعرة وأحد من السيف ) .فكن على حذر ولا تأمن على نفسك حتى تصل إلى تلك الغاية في آخر الطريق .

فلنحاول التجرد لله ونبدأ استكشاف الحقائق في حال الأمة الإسلامية عامة بكافة طوائفها لنرى أنها قد أجمعت على مخالفة كتاب الله وسنة نبيه – ربما دون أن يدرك بعضها ذلك - أو تدرك ولكن دفعها البغض والبغي بينها أن تتجاهل لتقع في أشر ذلك .

فأول مخالفة صريحة لصريح كتاب الله ؛ أن كل طائفة تدعي أنها الناجية مخالِفة بذلك قول الله – تعالى - : (فَلَا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى (32)سورة النجم .

===3===

لقد كان اليهودي أرحم بابنه منا بأبنائنا حين قال - وهو يحتضر – لابنه : أطع أبا القاسم يا بني  , أما نحن فنزكي أنفسنا ولا نرى الحق إلا في ما عندنا كطائفة دون أخرى , وننشئ أبناءنا على ذلك .

وهذا أكبر خطأ نرتكبه في حق الله وحق أنفسنا وحق من يقتدي بنا من بعدنا , لأنه يورث الأمن قبل أوانه , والإعجاب بالنفس , وهي نوازع ودواعي مهلك نهانا عنها , حتى وإن كان حب الله ورسوله قد تربع في قلبك وملأ أركانه , وأنت تسير على هديه الذي أمرك به , وقد رأيت من آياته وتأييده ونصره ما رأيت فلا تأمن , فقد اختبر قبلك أناس من بني آدم , وعندما وصلوا إلى ذلك ورأوا عنايته بهم أمنوا فظنوا بأنفسهم خيرا حتى قالوا ( نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ ) ,أو ربما تغلب عليك نزعتك البشرية وتتبع الهوى فتنسلخ من آياته (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آَتَيْنَاهُ آَيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) . فتفكر , فما قص علينا القصص إلا لنتفكر .

ولذلك حذرنا حتى من نفسه – تقدس في علاه – ليبقى كل عبد في رباط دائم متجردا مما سواه , متعلقا به مباشرة دون وساطة ’ خائفا منه , راجيا فيما عنده غير ضامن إلا برحمته .

يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) آل عمران

لتبقى على حذر حتى تلقاه .

قال – تعالى - : (أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ (99) الأعراف


===4===



فنحن عندما نتجرد لله لم نضمن النهاية ؛ وإنما ضمنا رؤية الطريق بوضوح , وسماع داعي الحق الصحيح , إذا كثر دعاته . ولم ينتهي بعدُ التحدي , وإنما هيأنا المفتي للتلقي , الذي هو القلب , ليكون هاديا لنا على الدرب . ( ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله ’ وإذا فسدت فسد الجسد كله , ألا وهي القلب ) .فإذا تلقيت الحقائق من منبعها الصافي الذي ضمنه لك , ستجد أنه قد أخبرك فيه مخاطبا نبيه – صلى الله عليه وآله وسلم - بأنه – عز وجل -:

(هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (7)) بل (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا (82) وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا (83) قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ فَرَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِمَنْ هُوَ أَهْدَى سَبِيلًا (84) ) فإن حار عقلك , واضطرب قلبك , واستَّـسـْـلـَـمـْـتَ ؛ حينها استهد ربك و ( استفت قلبك : البر حسن الخلق , والإثم ما حاك في نفسك وكرهت أن يطلع عليه الناس , وإن أفتاك الناس وأفتوك ) . فكيف نزكي أنفسنا , و نأمن في هذا الطريق الذي لا ملجأ ولا منجى فيه من الله إلا إليه ؟ و ندعو الناس إلى هدانا فلا هدى في غيره . فإذا دعيت إلى ما لا أصل له في كتاب الله وسنة نبيه . (قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (71) نعم فلنسلم لرب العالمين لا لغيره .

أما الخطأ الثاني فهو : أن كل فرقة تنفي الحق عن الأخرى إلى درجة التكفير . مِن مفتعل لذلك ابتداء . إلى ردة فعل .ليبوء بذلك أحد الطرفين ولا بد ,وهكذا إلى ما لا نهاية له حتى تفقد كل فرقة ما تبقى معها من قيم الدين الحق , فتأمل إلى أين جرف ذلك الأمة لتقع فيما وقعت فيه من مخالفات لكتاب الله ومنهج نبيه .

فوقعت: في اتباع اليهود والنصارى فيما فعلوه ,كما أحبرنا عنهم - تعالى – في قوله : ( وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (113). فوقع الذين لا يعلمون من كل فرقة من هذه الأمة فيما وقع فيه اليهود والنصارى وهم يتلون كتاب الله كما كانوا هم يتلون الكتاب, وكأن هذا الخبر لا يفيد الاستنكار والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه .


تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

ائتوني بكتف أكتب لكم كتابا لا تضلوا بعده أبدا

الدخان والعاصفة الشمسية